الشاعر العراقي غيلان بدر شاكر السياب

في حوار خاص ومميز ..
غيلان بدر شاكر السياب للوكالة: والدي أكل نفسه حين دخل المعترك السياسي في العراق.. ولا أدري إن بقي من بويب شيء بعد أن شاب وشابت جيكور.. وذاكرتي تحمل العديد من الأحداث المتعلقة بحياة أبي
الجمعة, 2010.04.09 (GMT+3)

وكالة أنباء الشعر/ عمر عناز

بينما ينهمر بويب ملونا بموجاته ضفتين من شعر يضيء صوتُ السياب قنديلا على شباك وفيقة مشاكسا بارتعاشته شناشيل بنت الجلبي.. السياب الذي مازالت أنشودته الماطرة تنهمر على صحائف قلوبنا لتخضر بنا الآمال وتورق الأمنيات يطل عبر مسافات ضوئية من الشعر حاضرا بيننا .. متهجدا بلغة تختزن سمرة أرض البصرة وبياض قلوب أبنائها، لغة عشقت البلح فمنحها معنى سكّريا، نعم إنه السياب متجليا في ابنه الذي طالما حدثنا عنه عبر قصائد وادعة المبنى دامعة المعنى… إنه غيلان بدر شاكر السياب .. أيقونة تحمل روح الشاعر الكبير ..ابنه الذي ينبض بالكثير منه كما نبض به أبوه ذات شعر، لم تكن مصادفة أن تلتقيه وكالة أنباء الشعر العربي لكنه دأب الذي يسعى جاهدا للاحتفاء برموز الشعر وكل ما يتعلق بهم من شؤون وشجون وابتسامات أورثوها دون الشعر الذي هو ماسة التفرد فكيف إن كان السياب هو الموضوع مصافحا جمهور الشعر بكف فلذة كبده غيلان عبر هذا الحوار…

-غيلان .. ورد اسمك في قصيدتين من قصائد والدك الشاعر الكبير بدر شاكر السياب.. ترى ماذا يعني لك أن يذكرك شاعر بقامة السياب؟

أنا أرى معنى أكبر في ذكر أبي لي في قصائده كأب أولا قبل أن يكون شاعرا وشاعرا فذا. تلك القصائد رسائل تجتاز الزمن وأسمع كلما قرأتها رنة صوت أبي وأحس بدفء عاطفته.

-كنت صغيرا عندما توفي السياب – رحمه الله – ولاشك انك عندما كبرت سعيت للتعرف على شخصية الوالد من خلال والدتكم أو الأقارب والأصدقاء.. لنبدأ بما تذكره أنت وما روته لكم أمكم عن السياب .. ؟

ما أذكره أضن به جدا وأراه كنزا يخاف عليه صاحبه من العيون الغريبة لا سيما أن حياة أبي وسيرته قد أشبعت بحثا وتحليلا بحق وباطل نالا حتى النوايا أو افترضا نوايا إن تعذر وجود أدلة على حدث ما ولذلك أحب أن أحتفظ بكنزي هذا لنفسي ولأسرتي ولا أجعله مشاعا ؛ فمعذرة لعدم الاقتراب من تلك التفاصيل.

-في لقاء مع صديق والدكم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد قال ” إن السياب اكل نفسه وأكلته عبقريته ” ماتفسيرك لهذا الكلام؟

هذا وصف جميل ودقيق كما أرى وحسب فهمي أنا له. نعم والدي يرحمه الله أكل نفسه حين دخل المعترك السياسي في العراق وأكلته موهبته التي أحرقت عمره كشمعة أوقدت من طرفيها.

-يحكى أن السياب كان عاشقا كبيرا حتى لنجد في قصائده أسماء لكثيرات.. ويرى بعض من زملاء السياب أنه لم يكن يملك علاقات عاطفية وأن كل ذاك الغزل ما كانا إلا افتراضا من خياله وحسب .. ماقولكم؟

ما أعلمه أن الأسماء التي وردت في القصائد كانت لأربع وليست لكثيرات كما ذكرت رغم أني أعتقد بأن كل شاعر لابد أن يكون عاشقا كبيرا بغض النظر عن كون تلك العواطف قد أثمرت علاقات عاطفية أم لم تثمر. حسب الشاعر أن يورق في صدره برعم حب ولا يهم برأيي أن يكون لهذا البرعم ما يماثله لدى المحبوب’. براعم الحب التي تفتحت في صدر السياب هي التي منحتنا رحل النهار وليلة في باريس وسواهما من قصائد حب غاية في العذوبة. أما كون كل ذلك الغزل افتراضا فهذا رأي لا أتفق معه لأن الشعرالعذب الذي أثمرته تلك العواطف لا يعقل أن يكون نتاج خيالات وتهويمات لأن العواطف غير الحقيقية تفضح نفسها بنفسها في الشعر كما هي في الحياة. وأخيرا أعذب الشعر أصدقه لا أكذبه كما أرى أنا.

-عاصر السياب الكثير من التيارات الفكرية والحزبية التي عشاها العراق .. لأي حزب أو تيار كان ينتمي حسبما تعلمون؟

أبي انضم للحزب الشيوعي في العراق خلال دراسته الجامعية كما هو معلوم ثم انقلب عليه وعاداه وتحول عاطفيا وفكريا للتيار القومي العربي لكنه لم ينضو لأي تنظيم حزبي والحقيقة أن تجربته السيئة مع الحزب الشيوعي أدت به لتجنب الدخول في أية تنظيمات سياسية أخرى.

-السياب كان شخصية انفعالية متوترا إلى حد بعيد كما يروي أصدقاؤه .. إلى أي مدى انعكس ذلك على علاقته بزوجته وأبنائه حسبما عرفتم؟

كون شخصية السياب انفعالية حقيقة لا يجادل فيها من عرفه عن قرب وللتوضيح وحسب ما أذكره أنا وما روي لي ممن عايشوا والدي عن قرب فقد كان شديد التأثر والحساسية وهذا هو المعنى الأقرب لتوصيف شخصيته. كان إذا أحب لا يحب بنصف قلب وإذا استاء لم يستأ بنصف قلب كذلك. أما تأثير ذلك على علاقته بأسرته فلا أذكر أو أعلم أنه كان لهذه الطبيعة تأثير سلبي على علاقته معنا بل كان محبا جدا وعطوفا جدا وصبورا جدا ولكن كانت هناك أمور وحدود لا يتسامح مع من يتجاوزها معه وأذكر أني في طفولتي ذات مرة كنت أعبث بكتبه وأوراقه ولم أستجب لتحذيراته بالتوقف عن ذلك فكان غضبه عارما إلا أنه لم يلمسني بسوء ولم يلبث أن صالحني وأرضاني بعد دقائق من ثورة غضبه تلك.

غيلان رفقة السياب الكبير

- أنت الشقيق لأختين هما غيداء وآلاء .. وكما أعتقد أن تسلسلك الثاني بينهما… هل كان السياب أقرب .. لابنتيه أم وحيده غيلان ؟

ظني الشخصي بأني كنت الأقرب إليه من أختي غيداء أما بالنسبة لشقيقتنا الأصغر آلاء فهي لم تنعم بصحبة الوالد طويلا لأنها ولدت في مرحلة مرضه وأسفاره العديدة للعلاج وكان عمرها بحدود الثلاث سنين حين توفي يرحمه الله.

-ما أخبار غيداء وآلاء وأين هما الآن ؟

هما في العراق مع أسرتيهما. أختي غيداء تعمل مهندسة في شركة النفط العراقية والصغرى آلاء كانت تعمل محاسبة مالية لكنها تركت العمل لتتفرغ لأبنائها.

-وماذا نسمع منك عن ” إقبال ” السياب ،، كيف كانت علاقتها بوالدكم وما الذي كانت تشجعه عليه أو تلومه ربما؟

والدتي , هذه المرأة العظيمة وذات الفضل الكبير بعد الله علي وعلى أختي تقيم في العراق كذلك. وبالنسبة لعلاقتها بالوالد يرحمه الله فقد كانت طيبة كما أذكر فلا تحمل ذاكرتي أي كدر شاب تلك العلاقة ولعلك تذكر وصف الوالد لها في شعره بالزوجة الغالية والصابرة. أما من ناحية التشجيع أو اللوم فلا علم لي بشيء من ذلك.

-ما مدى اهتمام غيلان السياب بالأدب والشعر .. وما أقرب قصائد والدكم إليكم ؟

أنا محب للشعر عامة وبالتأكيد لشعر والدي خاصة ويأتي أمل دنقل يرحمه الله على رأس الشعراء الذين أهوى شعرهم. من أقرب قصائد والدي إلي “الوصية” , ” أنشودة المطر” بالطبع, و “رحل النهار” و ربما معظم قصائد مرحلة مرضه خصوصا “سفر أيوب” و “من ليالي السهاد”.

-ألم تظهر الجينات الوراثية- الشعرية – للسياب في أحد أحفاده أو حفيداته ؟

للأسف لم تظهر “الجينات الشعرية” – رغم أني لا أعتقد بأن الموهبة تورث- لدى أحد لكن إبنتي الصغرى “لينة” ذات التسع سنوات لديها ميول موسيقية وإبنة أختي آلاء, “ديمة” لديها موهبة في الرسم.

- وماذا عرفت من أقارب السياب وأصدقائه عنه .. كيف كان حضوره وتفاعله معهم؟

بالنسبة للأقارب كان أبي محباً و وصولاً وباراً بكبار السن منهم وأخص بالذكر عماته يرحمهم الله جميعاً بل إن إحدى عمات أبي كانت جزءاً من أسرة الوالد مقيمة معنا أماً ثانية لي ولأختي. ولعل من الظريف أن أذكر لك بأن أبي كان يروي لي ولأختي غيداء قصصاً خيالية أبطالها هم بعض أولئك الأقارب. وربما كانت بساطته مع أقاربه هي ما يميز تلك العلاقة. من ناحية الأصدقاء, فأنا لم ألتق مباشرة بغالبيتهم بعد وفاة الوالد عدا الشاعرالكويتي الأستاذ علي السبتي والسيدة الشاعرة لميعة عباس عمارة وأستطيع أن أقول بأنه كان من الناس الذين لا تملك حين تعرفهم إلا أن تهواهم وتقدرهم.

-بعد أن لون ضفتيه بقصائد خالدة.. هل مازال بويب يتذكر ملامح السياب؟

لا أدري إن بقي من بويب شيء بعد أن شاب بويب وشابت جيكور وشاب العراق كله ولكني أظن بأنه إن كان بويب قد بقي وكانت لبويب ذاكرة فإنه بالتأكيد سيذكر شاعراً جعل من نهر صغير معلماً أدبياً خالداً في الشعر وإن لم يكتب له الخلود في الطبيعة.

-للسياب تمثال خالد في البصرة .. ماذا يعني لك أن يكون لأبيك تمثال في مدينة عريقة هي البصرة؟

مهما كانت ماهية المعلَم الذي يقام لتكريم أديب أو عالم في بلده أو مدينته فهو أمر جميل وضروري لتعريف من لا يعرف وتذكير من قد ينسى بأن مدينة ما قد أنجبت فلاناً وفلاناً وقدمت هذا الإسهام أو ذاك في تاريخها. والبصرة “ولود” على طول تاريخها في الدين واللغة والأدب ومن الطبيعي أن يسعدني بأن هذه المدينة تفخر بأبي وتتذكره.

-كان لوكالتنا زيارة إلى بيتكم القديم في البصرة .. وقد رأينا -والصور منشورة على وكالتنا – إهمالا كبيرا لهذا البيت التاريخي الذي ترعرع فيه الشاعر الكبير السياب .. ألم تسع أنت أو أحد أفراد عائلتكم إلى إعادة إعمار هذا البيت .. ألم تفاتحوا الجهات المعنية بحفظ التراث في العراق للعناية بهذا المعلم؟

البيت القديم الذي ذكرته هو دار جد والدي “مرزوق السياب” ولعلك تذكر قصيدة “دار جدي” التي ذكرت هذا المنزل وهو مكان ولادة الوالد وسكنه مطلع حياته حتى مرحلة دراسته الجامعية التي كانت في بغداد. والدار لم يعد ملكاً لنا منذ مطلع السبعينات إذ ابتاعته وزارة الإعلام حينذاك لترميمه وإقامة متحف للوالد فيه إلا أن هذا المشروع لم ير النور لسبب أو آخر وبقي المنزل طللاً مهجوراً كما هو حتى مطلع الحرب مع إيران حين أصبح مأوى للعائلات التي هجرتها الحرب من أماكنها الأقرب للحدود مع إيران ومنذ ذلك الحين أصبح مشاعاً لكل من شاء مع الأسف حتى أني وجدت في زيارة لي لجيكور عام 2001 بأن البوابة الخشبية الضخمة للباب قد إقتلعت من مكانها واختفت.

وبالتأكيد ليس هناك الآن من يهتم بإعادة إعمار هذا الطلل بعد أن أصبح كل الوطن طللاً لا يهتم بعمارته أحد.

-ما السؤال أو الموضوع الذي عاش معك طويلا وودت لو أنك تقوله أو تفهمه من السياب ؟

هذا سؤال صعب! لا أظن حقيقة إن هناك موضوع واحد ينطبق عليه سؤالك.

-ألم ينل احد أبنائكم او أختيكم أو عائلتكم شرف حمل اسم ” بدر ” تخليدا لذكراه الاجتماعية بين أسرته الكبيرة؟

ابني الكبير أسميته “بدر” وهو الآن في السابعة عشر.

- ليتك تذكر لنا ثمة مواقف نادرة عشتها أو سمعتها عن أبيك ؟

ذاكرتي تحمل العديد من الأحداث المتعلقة بحياة أبي الأسرية وعلاقته معنا لكني لا أراها “نادرة” بل هي أحداث حياتية طبيعية. ورغم أني أسأل دوماً عن ذكرياتي عن الوالد إلا أني أفضل الاحتفاظ بهذه الذكريات لنفسي ولأسرتي ولعلها الشيء الوحيد المتبقي من حياة أبي الذي لم يصبح مشاعأ وأحب أن أبقيه كذلك. لا أدري, ربما تتغير هذه القناعة لدي في يوم ما أو ربما ترسخ أكثر.

-شقيقا السياب عبد الله ومصطفى .. أيهما كان أقرب لوالدك وماذا أخبراك عنه بعد أن كبرت وكيف قرأت العلاقة بينهم وبين شاعر شاب متمرد كان أوسع من أن يحتويه ريف بسيط؟

أنا أظن بأن علاقة أبي بأخيه الأصغر عبد الله كانت أقرب من علاقته بأخيه الأصغر مصطفى. وبالتأكيد كانت طبيعة والدي الأدبية مختلفة عن طبيعة أخويه العلمية ولعل ذلك انعكس أيضاً على علاقتهم . والحقيقة لا أملك الكثير مما أستطيع أن أفيدك به بهذا الشأن.

-كان للسياب صداقات أدبية عديدة مع شخصيات لها الآن حضورها على الساحة الثقافية، هل التقيت بأحد هذه الأسماء .. وكيف كان استقبالهم لك؟

كما ذكرت في إجابتي على سؤال سابق, أنا لم ألتق بغالبية أصدقاء أبي بعد وفاته ولا تنسى بأن أغلب أصدقائه كانوا من بلدان عربية أخرى غير العراق لذا لم يكن اللقاء بهم ميسراً وأيضاً لأني شخصياً أقمت أكثر من خمسة وعشرين عاماً في قارة أخرى تبعد آلاف الأميال عن العالم العربي وكنت معزولاً عنه بدرجة أو بأخرى فلم تتح لي فرصة اللقاء بأولئك الأصدقاء ولكني سعدت بتواصل هاتفي وبريدي مع الراحل الشاعر بلند الحيدري وسعدت بلقاء السيدة الشاعرة لميعة عباس عمارة في الولايات المتحدة وكان لقائي أو تواصلي بكليهما رائعاً وجميلاً.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: